الصحراء للمرة الأولى!

قياسي

لا شيء كان هناك
لا مدن و لا طرقات و لا حواجز
لا ضجيج ولا أصوات متناثرة
لا وجوه .. لا عيون .. ولا ازدحام

كان الفراغ عميقا
كانت الوحدة جميلة
كانت الطبيعة ( بلا اي تدخل بشري ) باقية
كنت أقرب ما يكون للسماء و الأرض معا
و كان الله بكل عظمته حاضرا
وكان ما نفتقده كل يوم حاضرا أيضا .. ضجيج الذات و أفكارها .. متعتها بالحياة و حزنها منها .. دون أي تشويش و نقص
image

هي الصحراء
الوحيدة البعيدة
اخر معالم الطبيعة التي بقيت عصية عن أنانية البشر ( لحد كبير)
همس الريح لطيفا كان .. و أشعة الشمس لم تكن أكثر من دافئة .. أما الأرض كانت أم حنونة .. و كان الليل والدا قاسيا .. تربي فيك الصحراء قوة و حكمة حانية .. و ما تراه فيك الصحراء تعكسه حركة الرياح .. فهي إما تطردك أو تبقيك ثابتا !
image

غزة 2014

قياسي

بئسا للصمت ، ولكل الكلمات. لا شيء يمتلك قيمته أمام ما يحدث.

غزة .. هذه اللعنة المقدسة، التي جعلتني أكرهها و أهرب منها و أيأس معها و أخاف و أضحك حينا و ألهو حينا و أنتظر .. (كم انتظرت !) .. تأبى أن أخرج منها قبل أن أحبها من جديد .. قبل أن أشهد حربا جديدة فتتدفق مرة أخرى في قلبي الصغير كعشق طفولتي المجنون.
غزة .. هذه التي كانت عصية على الفهم و المنطق و الشعور. تبوح اليوم بأسرارها للجميع .. (تخليص حساب؟!)

* غزة ليست هذه البقعة المتسخة و النزقة و الخانقة و المكتظة بالعفن الذي كان يخنقنا. هي الفتاة مكسورة القلب لم يفهمها من أهلها إلا القليل .. فيا ويل من كان يقترب ليلمسها قتجرحه.

* غزة أثبتت أنها لعنة مقدسة كما أحب أن أسميها. فهي مقبرة كل الظالمين و طريق الجنة لكل المستضعفين.

* بعيدا عن العوالم الافتراضية الالكترونية، بقرب من نحب، تكون الحرب حقيقية أكثر، بكل انفعالاتها التي تشكلك دون أن تتأثر بكل التقمصات التي يفرضها ذاك العالم عليك. هنا ع الأرض فقط تستطيع أن تلمس المعجزات قلبك.

* في الصباح شبه الهاديء، أسمع وشوشات العصافير .. ياااه كم اشتقت اليكم .. أتحدث معهم .. ترى أين كنتم تختبئون .. ترى هل كنتم تتبرزون على قبعات الجيش الاسرائيلي .. أم كنتم تسترقون النظر على تل أبيب حين قصفت بالصواريخ ؟!

* تختلط مشاعر السعادة و الحزن في القلب ، في ذات اللحظة تماما ، أي درس هذا ليصقلنا .. حين تباغتنا صور أشلاء الأطفال و على أسفل الشاشة خبر انتصار جديد للمقاومة .. أي انحناءة سيتخذها فمي .. و على أي هيئة ستتشكل مشاعري .. أم أننا يجب أن نسمو فوق كل هذا لنمضي في طريق آخر تماما؟!

* في رمضان / حينما تغادر عن كل متع الحياة .. إلا متعة أن تكون ( عبدا لله ) .. فشكرا للحرب التي أتاحت لنا هذه الفرصة مضاعفة.

* الآن ، لو كانت كل تساؤلات مضت عن الفوضى الحكومية هنا و هناك و الاستبداد أحيانا و أموال المساعدات المختفية غالبا .. لو كان كل هذا في سبيل انجاز ما نراه اليوم. فكم كنا أغبياء و كم كانوا حكماء. فهذا التحرر حلال حلال.

* لو غيرتنا هذه الأيام حقا .. فقد حققت المقاومة أهدافها. أما لو خرجنا منها فعاودنا الغرور و الفجور و التحزب و التحزم و التذلل و اعتدنا من جديد على كل وضع قديم فقد حقق العدو أهدافه. هكذا هي الحرب التي ما بعد الحرب.

* كنا دائما مشهورون بأننا أقل درجة من باقي الشعوب في أغلب الدول. حتى صدقنا بأنفسنا أن أقل منزلة. أننا الهمجيون و العبثيون و الفوضوين و اللاجئون و … أما اليوم، فقلبي لا يسامح أي فلسطيني لا يرفع رأسه أعلى من كل الموجودين، و يكون فوق كل الأنظمة و القوانين و يدوس على كل الخطوط الحمراء التي قيدونا بها ليسلمو شرنا، شرنا الذي فجر بصيص الخير في هذا العالم الشرير. عندما أسافر، لو طلب مني أي جندي مصري على الحدود اكرامية أو رشوة للمرور، سأقول له: ( انت اللي لازم تدفعلي عشان أمر ع أرضكم بعد كل القرف الي طلع منكم تجاهنا، و برجلي هرفص البوابة و أمر) .. ايش بطلعليش؟!

* في الحرب / هوايتك الوحيدة أن تتخيل نفسك مكان كل شهيد و تعيش قصته و انفعالاتها .. أن تتخيل أي قصةحزينة و انسانية سيتداولها الاعلام عنك لو كنت انت الشهيد التالي .. كيف سيكون شكل وجهك حين يلتقطون لك صورتك بالكفن .. من سيبكي عليك أكثر و من سيرقد بجانبك .. و هل ستكون كل أطرافك معك أم أن بعضا منك سيذوب أو يضيع ……….. (اللهم توفنا و أنت راضٍ عنا)

* في الحرب / أحباءنا هم أكتر اشي بوجع قلبنا و بخوفنا. لما يكون عنا اشي بنحبه و بنخاف نخسره بتصير المعادلة مش متوازنة. لكن ما بعد الحرب بتكتشف أنه كل ما حدث كان فرصة لعلاقات أقوى و أجمل. اكتر لحظة أثرت بي بهالحرب لما كنا نتخيل سوا أنه احنا كشباب نلحق عصر التحرير و نقدر نروح ع (بلدنا) تاني بوقت قريب و نبدا حياتنا سوا من هناك.. من كل فلسطين ♥

* غزة / سأشتاق لك كثيرا، أخاف عليك كثيرا بعد اليوم، أفتقد شارع البحر الذي مشيت عليه كثيرا ، و رائحة دم الأطفال هناك ، سأندم لأني قد لا أراكي تكبرين ، سأشتاق لهذا الشعور بالخوف الدائم و بالموت المحدق بي من كل زاوية الذي يعينني على الحياة.
غزتي / أنا فتاتك .. التي تجلس في البيت بقرب النافذة و ترقبك من بعيد ، لكنها كانت تفهم تقلب أجواءك كما كان يحدث في قلبها الصغير .. فدعيني اليوم أغادر لمدينة لا نوافذ فيها .. فلا أطل الا على نفسي حين أشتاقك .. دعيني أبني هناك وطني الصغير الدافيء .. قد أعود يوما فتكونين قد بنيتي لنا وطنا آمنا كبير …